. "الدعم اللوجستي للرياض.. الرئة التي يتنفس منها الخليج في خضم الأزمات"
مقال رأي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
يبرز المقال تحول السعودية إلى محور لوجستي حيوي لدول الخليج، عبر "فلسفة البدائل" التي طُورت منذ حرب الناقلات في الثمانينيات، من خطوط الأنابيب وموانئ البحر الأحمر إلى مبادرات حديثة مثل "المسارات اللوجستية" لضمان استقرار سلاسل الإمداد وتسهيل حركة التجارة. كما يؤكد دور المملكة كقاعدة إمداد عسكرية وممر ج…
في اللحظات التي تشتعل فيها الخرائط، وتضيق الممرات المائية تحت وطأة التجاذبات الإقليمية، تكتشف الدول أن القوة لا تُقاس فقط بحجم الترسانة، بل بالقدرة على إبقاء "شرايين الحياة" مفتوحة حين يقرر الآخرون خنقها. واليوم، وفي ظل المشهد الإقليمي المعقد، لم تعد المملكة العربية السعودية مجرد ثقل سياسي، بل تحولت إلى "الرئة اللوجستية" التي تتنفس منها المنطقة، محولةً بنود التعاون في مجلس التعاون الخليجي من نصوص ورقية إلى واقع حي وملموس يتجسد في تأمين سلاسل الإمداد الحيوية وتكامل البنى التحتية العابرة للحدود، في دور ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج وعي استراتيجي تشكّل في خضم الثمانينيات حين انتقلت الحرب بين العراق وإيران من خنادق البر إلى مياه الخليج فيما عُرف بـ "حرب الناقلات"، حيث استُهدفت إمدادات الطاقة عالمياً، واستشعرت الرياض حينها خطورة الركون إلى معبر مائي واحد قد يتحول في أي لحظة إلى رهينة سياسية.
ومنذ ذلك الحين، بدأت المملكة في بناء "فلسفة البدائل"؛ فكان خط أنابيب "بترولاين" العابر للقارة، وتطوير الموانئ على البحر الأحمر، رؤية استباقية تضمن للمنطقة مرونة الحركة وتحررها من قيود الجغرافيا الضيقة. هذا التوجه أكده مؤخراً وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي في 12 مارس 2026، مشدداً على أن المملكة مستمرة في ضمان استقرار سلاسل الإمداد ودعم الأسواق الإقليمية، حيث أوضح أن العمل جارٍ من خلال مبادرة "المسارات اللوجستية" على تسهيل استقبال الحاويات والبضائع المحولة من موانئ دول مجلس التعاون إلى الموانئ السعودية، بما يعزز كفاءة الحركة التجارية وانسيابية السلع بين الدول الشقيقة.
وتمتد هذه الرؤية في قلب الأزمات الراهنة من المبادرات الاقتصادية إلى الدعم اللوجستي الميداني لقوات "درع الجزيرة" والمنظومات الدفاعية المشتركة، حيث تحولت الأراضي السعودية إلى قاعدة إمداد كبرى تضمن تدفق المؤن والوقود والمعلومات التقنية، مما وفر غطاءً لوجستياً مكن القوات الخليجية من الحفاظ على جاهزيتها القصوى. وبقراءة استراتيجية أعمق لما وراء القرارات الأخيرة، نجد أن فتح المطارات السعودية أمام الطيران الخليجي لم يكن مجرد إجراء فني، بل هو في جوهره "إعارة للسيادة الجغرافية"، حيث تحولت تلك المطارات إلى بوابات طوارئ سيادية للجيران، مرسلةً رسالة للعالم بأن لا عزل لأي عاصمة خليجية ما دامت الرياض مفتوحة.
هذا التكامل يمتد ميدانياً ليحول منافذ كـ "البطحاء" إلى شرايين حياة، تضع المخزون الاستراتيجي السعودي بتصرف الأمانة العامة للمجلس، حيث تذوب البروتوكولات لتتجسد المواطنة الخليجية في أبهى صورها، إدراكاً بأن أمن الجار هو المصد الأول لحماية "رؤية 2030" ومشروعاتها التنموية الكبرى. إن القيادة السعودية اليوم تختار أن تكون "المولد الاحتياطي" الذي يضيء حين تظلم الأزمات، و"الميناء البديل" حين تضيق الممرات؛ وهو الرد العملي والأكثر حنكة على محاولات شل المنطقة، وبرهان ساطع على أن العمق الجغرافي للمملكة هو الضمانة الأكيدة لمستقبل خليجي مشترك ومستقر، مهما ارتفعت أمواج الأزمات من حوله.